الاثنين 15 يونيو 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

كندا التي لا تظهر في الصور !

كندا التي لا تظهر في الصور !

بقلم : د/ محمد ابومصطفى 

 عندما كنت أرى صو ر كندا قبل سنوات، كنت أعتقد أنني أعرفها.
شوارع واسعة تمتد بهدوء نحو الأفق ، بحيرات  ساكنة تعكس السماء كأنها مرآة كبيرة، أشجار تتبدل ألوانها مع الفصول،  ووجوه تحمل ذلك القد ر الهادئ من  الطمأنينة. كانت تبدو كصورة مكتملة الإطار، لا ينقصها شيء .

 

لكنني اكتشفت لاحقًا أن البلدان ، مثل البشر تمامًا، لا يمكن  معرفتها من ملامحها الخارجية. هناك دائمًا جزء خفي لا يظهر في  الصو ر. جزء لا تلتقطه الكاميرات، ولا تنقله نشرات الأخبار ، ولا تستطيع الكلمات السريعة أن تصفه .

عندما وصلت إلى كندا، لم  تكن الرحلة مجرد انتقال من مكان  إلى مكان، ولا مجرد عبو ر بين مطارين  وختمين على جوا ز  السف ر. كانت رحلة من نسخة قديمة من نفسي  إلى نسخة جديدة لم أتعرف عليها بعد .

في الأيام الأولى، كنت  أتأمل الناس، المباني ، الطرقات ، تفاصيل الحياة اليومية، وحتى ذلك الصمت الذي يملأ الأماكن. نعم، الصمت. فلكل بلد صوته الخاص، وله أيضًا صمته الخاص. وكان صمت كندا مختلفًا. لم يكن صمت الوحدة، ولا صمت  الفراغ. كان أشبه بمساحة  واسعة تمنحك الوقت لتسمع نفسك بوضوح للمرة الأولى.

في تلك الأيام، كان شعو ر غريب يرافقني. شعو ر يشبه الوقوف على شاطئ بح ر واسع في مساء هادئ. لا  يوجد خط ر حقيقي، لكنك تدرك أن أمامك عالمًا كاملًا  لم  تكتشفه بعد. هناك رهبة جميلة في البدايات. وربما لهذا السبب تبقى البدايات عالقة في  الذاكرة مهما مرت السنوات.

في تلك اللحظات فهمت أن  الهجرة ليست تغيي ر عنوان السكن. الهجرة هي أن تستيقظ ذات صباح لتجد أن  التفاصيل الصغيرة التي كانت تشكل حياتك قد اختفت فجأة. المقهى الذي اعتدت المرور به، الأصدقاء الذين تعرف ملامحهم قبل  أن يتحدثوا،

الشوارع التي تحفظ خطواتك، الأصوات المألوفة، واللغة التي كنت تفك ر بها دون جهد . ثم تجد نفسك مطالبًا بأن تبني كل ذلك  من جديد ، حجرًا فوق حجر، وذكرى فوق ذكرى.

كطبيب، كانت التجربة أكثر عمقًا وتعقيًدًا. كنت أحمل سنوات طويلة من الدراسة  والعمل والخبرة. كنت  أعرف كيف أتعامل مع المرض، وكيف أقرأ العلامات السريرية، وكيف أطمئن مريضًا قلقًا. ومع ذلك، وجدت نفسي  أتعلم من جديد. أتعلم نظامًا

صحيًا مختلفًا، وثقافة مهنية مختلفة، وطريقة مختلفة في فهم العلاقة بين الطبيب والمريض. وكان في ذلك درس  مهم؛ فالحياة،  مهما منحتنا من خبرة، قادرة دائمًا على  أن تضعنا في مقعد المتعلم مرة أخرى.

لم يكن الطريق سهلًا  دائمًا. كانت هناك أيام أثقل من غيرها، أيام تشع ر فيها أن المسافة  بينك وبين أحلامك أطول مما توقعت، وأيام أخرى يكفي فيها موقف صغي ر أو كلمة طيبة أو نجاح بسيط لتشع ر أن  كل ما  تبذله لم يذهب سدى. ومع مرور الوقت،

بدأت أتعلم شيئاً لم أتعلمه في الكتب : أن الإنسان أقوى مما يظن. ليس  لأنه لا يتعب، بل  لأنه يواصل السي ر رغم التعب . وليس  لأنه لا يخاف، بل  لأنه يتقدم خطوة أخرى رغم  الخوف .

تعلمت أن البداية من جديد  لا تعني أن  ما سبقها قد ضاع ، بل تعني أن  كل ما سبقها أصبح جزءًا من  الوقود الذي يدفعك إلى الأمام. وأن السنوات التي  عشناها لا تختفي عندما ننتقل إلى مكان جديد، بل تسافر معنا في صمت ، وتظه ر في كل  قرار  نتخذه، وفي كل خطوة نخطوها .

وربما أجمل ما وجدته هنا هو الإحساس بالاحتمالات . في بعض الأماكن من العالم تشع ر أن  مستقبلك مرسوم سلفًا، وأن

الطرق المتاحة أمامك محدودة مهما حاولت. أما هنا، فما  زالت هناك  مساحات  تسمح للأحلام أن  تتنفس. مساحات تسمح  لك  بأن تحاول، وأن تخطئ، وأن  تبدأ مرة أخرى دون أن  يحكم عليك الماضي.

هذا لا يعني أن الحياة مثالية؛ فكندا، مثل أي بلد آخر، لديها تحدياتها وأسئلتها وصعوباتها. لديها شتاؤها الطويل، وتكاليفها

المرتفعة، وتعقيداتها التي يعرفها كل من عاش فيها. لكنها تمنحك شيئاً ثمينًا: فرصة حقيقية للمحاولة. وأحيانًا تكون الفرصة  أثمن من النجاح نفسه، لأن النجاح  قد يأتي أو لا يأتي ، أما الفرصة فهي الباب الذي يجعل  النجاح ممكنًا.

اليوم، عندما أنظر إلى رحلتي  هنا، أدرك أن كندا لم تكن  مجرد محطة جغرافية في حياتي، بل  كانت فصلًا  كاملًا  من فصول النضج. فصلًا  علمني أن الإنسان يستطيع أن يبدأ مرة أخرى مهما  ظن أن الوقت قد  تأخر ، وأن العمر لا يقاس بعدد السنوات،  بل بعدد المرات التي  امتلكنا فيها الشجاعة لنبدأ من  جديد .
لقد أدركت أيضًا أن الغربة ليست دائمًا المكان البعيد؛ أحيانًا تكون الغربة أن تبقى في مكانك بينما روحك تبحث  عن أفق آخر.

وأما الوطن، فليس بالضرورة المكان الذي وُلدنا فيه؛ الوطن قد يكون  المكان الذي يمنح أحلامنا مساحة للنمو، ويمنح أرواحنا فرصة أن تصبح ما كانت تتمنى أن تكونه منذ زمن  طويل. وهذا أيض اً يزيد الحب للوطن الذي عشنا فيه وترعرعنا في أرضه  وصنع الجزء الأكب ر منا.

ولهذا، كلما رأيت صورة جميلة لكندا ، أبتسم. ليس  لأنها تذكرني بما رأيته، بل لأنها تذكرني  بما لا يظه ر فيها. ذلك الجزء  الخفي من الرحلة، رحلة الإنسان نحو  نسخة  أعمق وأكث ر نضجًا من  نفسه.

 هذه، في الحقيقة، كندا التي لا تظهر في  الصور!

 

 

 

 

 

71 مشاهدة
مشاركة: