ليست مجرد أرض أو دولة بل عالم أخر ربما لا نعرفه نحن سكان الشرق الأوسط تلك المنطقة الكئيبة من العالم.
منذ اللحظة الأولي لوصولي إلي كندا انتاباني شعور غريب، شعرت أنني خرجت خارج الكوكب ودخلت عالم لا أعرفه أو لم أعرفه من قبل.
الأمر هنا لا يرتبط بأن الشوارع أكثر اتساعًا أو لأن المدن أكثر تنظيمًا فحسب، بل لأن الإنسان هناك يبدو وكأنه القيمة العليا التي تدور حولها منظومة الدولة كلها.
في عالمنا العربي، اعتادت الشعوب أن تسمع كثيرًا عن الحقوق دون أن تراها، أما هنا في كوكب كندا، فإن المواطن والمقيم واللاجئ والمهاجر جميعهم يقفون أمام القانون في صف واحد، لا فرق بينهم إلا بما يقدمه كل منهم للمجتمع.
في كوكب كندا لا يسألك الشرطي عن انتمائك السياسي، ولا يخشى الصحفي من رأيه، ولا يضطر المواطن إلى ترديد ما لا يؤمن به خوفًا من بطش سلطة أو غضب مسؤول.
الأمر ليس مرتبطا بكون كندا مدينة فاضلة، أو جنة على الأرض، فهي كغيرها من الدول تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية. لكن الفارق الجوهري يكمن في أن الإنسان هناك يمتلك الحق في الاعتراض، والقدرة على النقد، والفرصة الحقيقية للمشاركة في صناعة مستقبله دون أن يدفع ثمنًا باهظًا لمجرد أنه عبّر عن رأي مخالف.
هنا في كندا يستطيع اللاجئ الذي فرّ من الحرب أو القمع أن يبدأ حياة جديدة. يصل وهو يحمل حقيبة صغيرة وذكريات ثقيلة، لكنه يجد مؤسسات تستقبله، وقوانين تحميه، وفرصًا تساعده على الوقوف من جديد.
في كوكب كندا لا يُنظر إلي اللاجئ باعتباره عبئًا أو خطرًا، بل باعتباره إنسانًا يستحق فرصة عادلة.
في كوكب كندا يجد المهاجر نفسه أمام دولة تحترمه وتقدره جهوده فأبواب النجاح لا تُفتح بالمحسوبية ولا بالقرابة، وإنما بالكفاءة والعمل والاجتهاد. قد يبدأ من وظيفة متواضعة، لكنه يدرك أن الطريق أمامه مفتوح وأن سقف أحلامه تحدده قدراته لا علاقاته.
وعندما ننظر إلى جانب الحرية السياسية، ندرك حجم الفجوة بين عالمين وإن شئت الدقة فقل بين الكوكبين، ففي أجزاء واسعة من العالم العربي وعموم الشرق الأوسط ما زال المواطن يخشى الكلمة، ويتوجس من الرأي، ويحسب ألف حساب قبل أن يكتب منشورًا أو يدلي بتصريح.
أما في كوكب كندا، فإن انتقاد الحكومة حق مكفول، وتغييرها يتم عبر صناديق الاقتراع لا عبر الصدامات والانقلابات والفوضى.
الحرية في كندا هناك ليست شعارًا معلقًا على الجدران، بل ممارسة يومية يلمسها الناس في الجامعات ووسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.
يستطيع الفرد في كوكب كندا أن يختلف مع السلطة دون أن يُتهم بالخيانة، وأن يعارض السياسات دون أن يُجرّد من وطنيته.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو كرامة الإنسان. تلك الكلمة التي طالما ترددت في خطاباتنا العربية حتى فقدت معناها.
في كندا يشعر الفرد أن كرامته مصونة، وأن الدولة وجدت لخدمته لا لإخضاعه، وأن القانون يحميه مهما كان أصله أو دينه أو لونه.
المؤلم أن ملايين العرب لا يحلمون بالهجرة بحثًا عن الثلوج أو البحيرات أو الطبيعة الخلابة، بل بحثًا عن شيء أبسط من ذلك بكثير مجرد حياة طبيعية لا يخاف فيها الإنسان من رأيه، ولا يقلق على مستقبله بسبب موقف سياسي، ولا يشعر بأنه مجرد رقم في معادلة السلطة.
ولهذا تبدو كندا في أعين كثيرين وكأنها "كوكب" آخر ليس لأنها الأغنى أو الأقوى، بل لأنها نجحت إلى حد كبير في ترسيخ فكرة بسيطة وعظيمة في آن واحد أن الإنسان يستحق الاحترام أولًا.
وعندما تصبح الحرية حقًا، والكرامة قاعدة، والقانون مظلة للجميع، يتحول الوطن من مساحة جغرافية إلى مساحة أمل وربما لهذا السبب ما زالت كندا تمثل بالنسبة إلى ملايين البشر حول العالم حلمًا مشروعًا بحياة أكثر عدلًا وإنسانية.




