بقلم.. د/عمر السلكاوي
___________________________________
في أبريل من عام 2026، اتخذت مع أسرتي قراراً لم يكن سهلاً: أن نترك حياتنا في المملكة المتحدة، ونبدأ فصلاً جديداً على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، في مدينة تحمل الاسم نفسه الذي اعتدناه، ولكن في بلد مختلف تماماً؛ لندن، أونتاريو، في كندا.
لم يكن القرار مجرد انتقال مهني بحثاً عن فرصة جديدة، بل كان خطوة نحو الاستقرار وبناء مستقبل لأسرتي، وفي الوقت نفسه فرصة لممارسة مهنة الطب في مجتمع يحتاج إلى المزيد من الأطباء.
واليوم، بعد أشهر من وصولي، أستطيع القول إن التجربة تجاوزت كثيراً من توقعاتي، ليس فقط بسبب الحياة في كندا، ولكن أيضاً لما وجدته من تقدير لطب الأسرة، وما لمسته من أثر حقيقي يمكن أن يحدثه وجود طبيب في حياة مريض وعائلته.
وكان لمركز Thompson Medical Centre (TMC+) دور أساسي في هذه الرحلة.
*أزمة أطباء الأسرة.. مشكلة تتجاوز مجرد الحصول على موعد*
قد يبدو الحصول على طبيب أسرة أمراً طبيعياً في كثير من دول العالم، لكنه بالنسبة لآلاف الأسر في أونتاريو يمثل تحدياً حقيقياً.
فطبيب الأسرة ليس مجرد شخص يُراجع عند الإصابة بالمرض، بل هو نقطة الاتصال الأولى مع النظام الصحي، والمسؤول عن المتابعة المستمرة للأمراض المزمنة، والفحوص الوقائية، وصحة الأطفال، وصحة المرأة، ورعاية كبار السن، وتحويل المرضى إلى الأطباء المتخصصين عند الحاجة.
وعندما تفتقد الأسرة إلى طبيب يتابع تاريخها الصحي، تصبح الرعاية أكثر تعقيداً، وقد يضطر المرضى إلى الاعتماد بصورة متكررة على العيادات دون موعد أو أقسام الطوارئ للحصول على الرعاية.
وقد تناولت هيئة الإذاعة الكندية CBC هذه المشكلة في تقرير نشرته في يوليو 2026، مشيرة إلى أن نحو 80 ألف شخص في منطقة لندن كانوا يفتقرون إلى خدمات الرعاية الأولية في وقت سابق من العام.
لكن التقرير لم يكتفِ بعرض المشكلة، بل سلط الضوء على تجربة محلية بدأت تُحدث فارقاً ملموساً.
*TMC+.. من استقطاب الأطباء إلى توسيع فرص الرعاية
في الوقت الذي تواجه فيه مناطق عديدة من كندا صعوبة في استقطاب أطباء الأسرة، اختار مركز Thompson Medical Centre اتباع نهج عملي يقوم على استقطاب الأطباء المؤهلين من خارج كندا، وخاصة من المملكة المتحدة.
وقاد هذه الجهود دان مولدون (Dan Muldoon)، مدير المركز، الذي عمل مع فريقه على تقديم فرص مهنية للأطباء الراغبين في الانتقال إلى أونتاريو، ومساعدتهم على بدء مرحلة جديدة من حياتهم المهنية.
ووفقاً لتقرير CBC، كان المركز يتجه إلى استقطاب 21 طبيباً جديداً خلال الفترة الممتدة من عام 2025 إلى سبتمبر 2026، بما يتيح طاقة استيعابية محتملة لخدمة نحو 40 ألف مريض.
وهذه الأرقام لا تعني أن جميع هؤلاء المرضى قد سُجّلوا بالفعل، لكنها تعكس حجم الفرصة التي يوفرها التوسع في خدمات الرعاية الأولية.
وما يميز هذه التجربة أن استقطاب الأطباء لم يقتصر على خلفية ثقافية واحدة؛ فالفريق الطبي يضم أطباء من أصول متعددة، منها مصر ونيجيريا والسودان والهند وباكستان، إلى جانب أطباء من خلفيات أخرى.
وهذا التنوع يمثل قيمة مهمة في مدينة متعددة الثقافات مثل لندن، حيث يعيش مواطنون ومقيمون من جنسيات ولغات وخلفيات اجتماعية مختلفة.
*تجربتي الشخصية.. من النظام الصحي البريطاني إلى الكندي*
أنا طبيب مصري الأصل، تلقيت تدريبي وعملت في طب الأسرة بالمملكة المتحدة، حيث اكتسبت خبرة مهنية مهمة في التعامل مع مختلف الحالات الطبية، من الأمراض الحادة إلى الأمراض المزمنة، ومن الرعاية الوقائية إلى المشكلات الصحية التي تتطلب متابعة طويلة الأمد.
وعندما طُرحت عليّ فرصة الانتقال إلى كندا والانضمام إلى TMC+، كان أمامي قرار مصيري.
فالانتقال بين بلدين، خصوصاً مع وجود أسرة وأطفال، لا يتعلق بالعمل وحده؛ بل يتضمن التفكير في الاستقرار والتعليم والمجتمع ومستقبل الأبناء.
لكن معرفتي بحجم الحاجة إلى أطباء الأسرة في أونتاريو كانت من أهم الأسباب التي شجعتني على اتخاذ هذه الخطوة.
وقد تحدثت عن هذه التجربة خلال مقابلة أجرتها معي CBC، موضحاً أن الانتقال لم يكن قراراً سهلاً، لكن حاجة المجتمع الكندي إلى الأطباء، إلى جانب ما تتمتع به لندن من مقومات تجعلها مدينة مناسبة للعائلات، كانتا عاملين حاسمين في اختياري.
وعندما بدأت ممارسة عملي في مركز TMC+ بشارع Thompson Road، أدركت بصورة أوضح أهمية هذا القرار.
فما يترك أثراً في الطبيب ليس عدد المراجعات اليومية فقط، وإنما شعور المريض بالارتياح عندما يعلم أن لديه طبيباً يستطيع الرجوع إليه، وأن هناك من سيتابع حالته الصحية على المدى الطويل.
وقد اعتدت في عملي على الاهتمام بالعلاقة المستمرة بين الطبيب والمريض، وأرى أن هذه العلاقة تمثل أحد أهم أسس طب الأسرة الناجح.
*الرعاية الصحية ليست مسؤولية الطبيب وحده*
من المهم عند الحديث عن نجاح TMC+ ألا نختزل التجربة في استقطاب الأطباء فقط.
فالعمل الطبي الجيد يعتمد أيضاً على منظومة متكاملة تشمل طاقم التمريض، والمساعدين الطبيين، وموظفي الاستقبال والإدارة، وفرق التنسيق والمتابعة.
وقد ساهمت هذه المنظومة في تمكين الأطباء الجدد من بدء عملهم، وفي تسهيل وصول المرضى إلى الخدمات.
وتضم شبكة TMC+ عدة مواقع، منها مركز Thompson Road ومركز Hyde Park في مدينة لندن، بالإضافة إلى موقع في مدينة St. Thomas المجاورة.
وتجمع مرافق الشبكة بين خدمات طب الأسرة وعدد من التخصصات الطبية والخدمات المساندة، بما فيها خدمات الصيدلة، كما تقدم عيادات للرعاية دون موعد وفقاً لمواعيد العمل وتوافر الأطباء.
والهدف من هذا النموذج هو جعل الوصول إلى الرعاية الصحية أكثر سهولة وتنظيماً، مع الحفاظ على أهمية المتابعة المستمرة مع طبيب الأسرة.
*الجالية العربية.. حين تلتقي اللغة بالثقة*
بصفتي طبيباً عربياً أعمل في مجتمع كندي متعدد الثقافات، أدرك أن الرعاية الصحية لا تعتمد على المعرفة الطبية وحدها.
فاللغة والثقافة والقدرة على شرح المخاوف الصحية تلعب جميعها دوراً مهماً في بناء الثقة بين الطبيب والمريض.
وقد يجد بعض أفراد الجالية العربية، وخاصة الوافدين الجدد وكبار السن، صعوبة في فهم تفاصيل النظام الصحي الكندي، أو التعبير بدقة عن أعراضهم ومخاوفهم باللغة الإنجليزية.
وهنا تبرز أهمية وجود أطباء يفهمون الخلفيات الثقافية المختلفة، ويستطيعون التواصل مع المرضى بأسلوب واضح وإنساني.
ومع ذلك، فإن ما أؤمن به هو أن جودة الرعاية الطبية يجب أن تكون متاحة للجميع، بصرف النظر عن اللغة أو الجنسية أو الخلفية الاجتماعية.
فالطبيب الجيد لا يعالج المرض فقط، بل يستمع إلى الإنسان الذي يعاني منه.
*لندن أونتاريو.. مدينة أصبحت وطناً جديداً*
عندما انتقلت إلى كندا، كنت أتطلع إلى فرصة مهنية جديدة، لكنني وجدت أيضاً مدينة أستطيع أن أرى فيها مستقبل أسرتي.
فلندن تجمع بين الهدوء النسبي للمدن المتوسطة، وتوافر المؤسسات التعليمية والخدمات الصحية، والتنوع الثقافي الذي يساعد العائلات القادمة من الخارج على الاندماج والاستقرار.
وبالنسبة لي، لم يعد الانتقال إلى كندا مجرد مرحلة مؤقتة في مسيرتي المهنية، بل أصبح جزءاً من مشروع حياة طويل الأمد.
وأشعر أن هناك مسؤولية مشتركة تجمعني بزملائي في تقديم خدمة صحية تحترم احتياجات السكان، وتساهم في تحسين فرص الحصول على الرعاية.
*النجاح الحقيقي يُقاس بحياة الناس*
قد تجذبنا الأرقام الكبيرة، مثل استقطاب عشرات الأطباء وتوفير آلاف الأماكن الجديدة للمرضى، لكنها ليست المقياس الوحيد للنجاح.
فالنجاح الحقيقي يظهر عندما يتمكن مريض يعاني من السكري أو ارتفاع ضغط الدم من الحصول على متابعة منتظمة، وعندما تجد أم طبيباً تراجعه بشأن صحة طفلها، وعندما يشعر شخص مسن بأن هناك من يعرف تاريخه الطبي ويتابع احتياجاته.
هذه التفاصيل اليومية هي ما يمنح طب الأسرة قيمته الحقيقية.
ولا شك أن أزمة الوصول إلى الرعاية الأولية في أونتاريو أكبر من أن تحلها مؤسسة واحدة، وأن تحسين النظام الصحي يتطلب تعاون الأطباء والمؤسسات الصحية والجهات الحكومية والمجتمع.
لكن تجربة TMC+ تقدم مثالاً مهماً على أن المبادرات المحلية، حين تجمع بين التخطيط الجيد واستقطاب الكفاءات والعمل الجماعي، تستطيع أن تكون جزءاً مؤثراً من الحل.
وفي ختام هذه السطور، أود أن أعرب عن تقديري لفريق TMC+، ولكل من ساهم في استقطاب الأطباء ودعمهم، ولزملائي من الأطباء والتمريض والإدارة، الذين يعملون يومياً لخدمة المرضى.
كما أتوجه بالشكر إلى المجتمع في مدينة لندن على الترحيب الذي وجدته أنا وأسرتي منذ وصولنا إلى كندا.
لقد جئت إلى لندن باحثاً عن بداية جديدة، ووجدت فيها فرصة لأكون جزءاً من مستقبل مجتمع اختار أن يمنحني ثقته.
وأتمنى أن أواصل رد هذه الثقة من خلال ما أقدمه كل يوم في عيادتي.
د. عمر السلكاوي (Dr. Omar Elsalakawy)
طبيب أسرة، تلقى تدريبه المهني في طب الأسرة بالمملكة المتحدة، ويعمل حالياً في مركز Thompson Medical Centre بمدينة لندن، أونتاريو.
للتعرف على مركز TMC+ أو الاستفسار عن تسجيل المرضى الجدد:
الموقع الإلكتروني: https://thompsonmedical.ca
العنوان: 130 Thompson Road, London, Ontario
Telephone: 519-601-8621




