بقلم / آسيا أحمد
كاتبة وروائية
------------------------------------
كم مرة تخليت عن حلم من أحلامك وأرغمت علي المضي قدماً في حياتك!!
كم مرة نظرت للسماء ورأيت طائرة تحلق وتخيلت أن تكون علي متنها وفي طريقك لمدينة أحلامك!
ربما الجميع يتكرر معهم ذاك الحلم ولكن كل حلم عن السفر مازال مختلفاً.
فهناك من يحلم أن يستكمل دراسته في بلد ما، وآخر يحلم بالسفر لزيارة معالم سياحية في بلاد آخري، وآخر يحلم بالعمل بالخارج، وغيره يحلم بزيارة أخيه الذي طال سفره لأعوام عدة، وهناك من يحلم بأن يغادر بحثاً عن حياه جديدة.
أحلام كثيرة قد تتشابه أحياناً ولكن الوسيلة واحدة تجمعهم جميعاً ألا وهي الطائرة.
يظل حلمك يلاحقك من وقت لآخر، وأنت تلاحق الطائرات في السماء بعينيك.
حتي يأتي اليوم الذي تستجمع فيه شجاعتك وتقرر أن تناضل من أجل حلمك، وأنه كفي أحلام ضائعة.
بإصرارك وسعيك ستجد نفسك فجأة بيدك تذكرة سفر.
ثم حقيبة سفر، صغيرة كانت أو كبيرة مطالب بأن تجمع أغراضك الهامة فقط، والتخلي عن أي شيء اخر.
وهنا ستكون المرحلة الأصعب حيث ستكتشف أن طوال حياتك كانت الأشياء هي التي تتخلي عنك، وإنك كنت تصارع للإحتفاظ بها، الآن حان دورك بالتخلي.
في بادئ الأمر ستظن انه مجرد تخلي عن بعض الملابس، ولكن بعد بضع دقائق وانت تجلس وحدك تحدق في خزانتك المليئة بالذكريات ستعجزعن تفضيل أي منها لتبقي معك.
ثم تشرد قليلاً وتبدأ بالتجول بعيناك في أرجاء غرفتك؛ تتوقف عند سريرك قليلاً، ثم عند كتبك المبعثرة فوق الطاولة.
وفجأة، تكتشف أن كل شيء حولك يحمل ذكرى، وأن اختيار ما ستتركه أصعب مما ظننت، ثم تسمع صوت أسرتك خارج الغرفة فتشعر بالحنين لهم من تلك اللحظة.
لا يهم كم يوماً ستغيب، ستشتاق وتحن إلي كل شيء حولك مادمت تغادره.
ستغلق حقيبة سفرك وانت تعلم أنها مجرد حقيبة، فأنت لم تستطع أن تضع بها كل من تحب، فقط بعض الملابس التي تناسب طقس البلد المسافر إليه.
ثم يحين وقت الرحيل، ولكنه يختلف من حلم لآخر.
فهناك من يطلب من والداه أن يدعوا له بالنجاح وأن تكون الدراسة يسيرة عليه، وآخر يودع أحبابه ويضمهم وهو يمزح قائلا: سأعود بعد إسبوع لن تشتاقوا إلي حتي، وآخر يخبر عائلته بأنه سيأتي لزيارتهم كل ستة أشهر في أجازات العمل، وآخر يوصيه الجميع ان يرسل سلامهم وقبلاتهم لأخيه وأسرته، وآخر يضم كل احبابه وكأنه العناق الآخير، يخفي بكائه ويتظاهر بالصمود وهو يعدهم إنه ربما بعد عام سيعود.
وهنا حان موعد رحلتك الجوية.
تتقدم بخطوات سريعة بداخل المطار، تبحث عن بوابة الإقلاع الخاصة بك، تسأل المارة ورجال الأمن بقلق، حتي تصل أخيراً وتقف أمام البوابة مع الجميع.
تنظر في وجوههم فتري بعضهم مبتهجون، والبعض يبدوا عليهم التوتر، أما أنت فتشعر وكأنك خدر، مازلت لا تصدق وتظن إن ذلك مجرد حلماً وسيوقظك أحد ما الآن.
حتي يحين دورك فتعطي موظف البوابة بطاقة الصعود ليتحقق منها، ثم يوجهك نحو ممر الصعود للطائرة.
تسير بضع خطوات فتجد مضيفة ترحب بك علي باب الطائرة ثم اخري ترشدك إلي مقعدك.
تجلس شارداً وسرعان ما تتحرك الطائرة وتحلق عاليا، وهنا ستشاهد بلدك الجميلة من النافذة كما لم تراها من قبل، سيدق قلبك وترتفع أنفاسك، وتبدأ تحدث نفسك قائلاً سأعود إليكي سريعاً فقط اعتني بأحبابي.
وسرعان ما يمر الوقت ويبدأ قائد الطائرة بالتحدث عبر مكبر الصوت ليخبر الركاب إنهم قد وصلوا لوجهتهم.
فتنظر من النافذة فتري المدن تضوي، والأضواء تغطي كل مكان، تبدأ في إلتقاط أنفاسك، وتشعر بالحماس، وترتسم إبتسامة تلقائية على وجهك، وتمتلئ بالإمتنان والأمل.
وتبدأ خططك المسقبلية تشغل تفكيرك، وتحتار بأي منهم تبدأ!
ولكن الحقيقة أن كل بلد لديها طريقة خاصة في إسقبالك وخطط لم تكن بحسبانك ولا تتوقع أبداً.




