الثلاثاء 28 يوليو 2026
وينيباغ 17°
facebook
كندا أون نيوز
رئيس مجلس الإدارة أسامة شمس رئيس التحرير عمرو عبدالوهاب
أقلام عربية بكندا

أسامة شمس يكتب : سد النهضة.. مصري ولا إثيوبي؟

أسامة شمس يكتب : سد النهضة.. مصري ولا إثيوبي؟

أعادت تصريحات الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، الجدل حول الطريقة التي تتعامل بها مصر مع أزمة سد النهضة الإثيوبي، بعد أن بدا أن الخطاب المتداول بشأن المشروع لم يعد كما كان عليه في السنوات الأولى من الأزمة. وخلال حوار إعلامي مع الإعلامي مجدي الجلاد، تحدث شراقي عن السد بعبارات أثارت ردود فعل واسعة، من بينها وصفه، بحسب ما نقل عنه، بأنه «سد مصري على أرض إثيوبية»، وهي تصريحات اعتبرها منتقدون انعكاسا لتحول لافت في طريقة تقديم الأزمة للرأي العام المصري.

فالمشروع الذي ظل لسنوات عنوانا لأكبر تهديد يواجه الأمن المائي المصري، بات يظهر في بعض التصريحات الإعلامية وكأنه أمر واقع يمكن التعامل معه، بل إن البعض ذهب إلى محاولة تقديم جوانب إيجابية له، في وقت لا تزال فيه الخلافات الأساسية بين القاهرة وأديس أبابا بشأن قواعد ملء السد وتشغيله قائمة. وهنا تحديدا يبدأ السؤال: هل تغير سد النهضة فعلا، أم أن الذي تغير هو الطريقة التي يجري بها الحديث عنه؟

قد يكون وصف السد بأنه «مصري على أرض إثيوبية» تعبيرا عن ارتباطه المباشر بالأمن المائي المصري، وهذا الارتباط لا يمكن إنكاره. فمصر دولة مصب تعتمد على مياه النيل، وأي تغيير في تدفقات النهر ينعكس عليها بصورة مباشرة. لكن ارتباط مصر بالسد لا يجعله مصريا، فالمشروع يقع في الأراضي الإثيوبية، وتسيطر أديس أبابا على تشغيله، وتملك القرار المباشر بشأنه. وهذه حقيقة لا تتغير بتغيير المصطلحات.

المشكلة أن اللغة السياسية والإعلامية تستطيع أحيانا أن تعيد تقديم الواقع بطريقة مختلفة. فالمشروع الذي ظل لسنوات مصدرا للقلق الاستراتيجي يمكن أن يتحول، مع مرور الوقت، إلى مشروع يجري الحديث عن فوائده، ثم إلى «سد مصري» على أرض إثيوبية. لكن السد لم يتغير، وإثيوبيا لم تتخل عن سيادتها عليه، والخلاف حول قواعد تشغيله لم ينته.

لا يمكن في الوقت نفسه تجاهل أن مصر باتت أمام واقع جديد. سد النهضة اكتمل وأصبح قائما، ولم يعد منطقيا التعامل معه باعتباره مشروعا يمكن إيقافه بالاعتراض عليه فقط. لكن الاعتراف بوجود السد لا يعني أن المخاطر اختفت، كما أن التكيف مع وجوده لا يعني التسليم بكل ما يتعلق بطريقة تشغيله. فالمشكلة المصرية لم تكن في مجرد بناء منشأة على النيل الأزرق، وإنما في كيفية إدارتها خلال سنوات الجفاف، وقواعد الملء والتشغيل، وآليات تبادل البيانات والتنسيق بين الدول الثلاث.

وهذه الأسئلة لا تزال قائمة. من يحدد كمية المياه التي تمر إلى مصر والسودان في سنوات الشح؟ وما القواعد التي تحكم تشغيل السد خلال فترات الجفاف الممتد؟ وماذا يحدث إذا قررت إثيوبيا التصرف منفردة؟ هذه هي القضية الحقيقية، وهي قضية لا يمكن تجاوزها بالحديث عن أن السد أصبح أمرا واقعا.

ولا يمكن فصل هذا الجدل عن اتفاق إعلان المبادئ الذي وقعته مصر والسودان وإثيوبيا عام 2015، والذي شكل محطة رئيسية في مسار الأزمة، لكنه لم يضع نهاية للخلافات الأساسية. فالقضية لم تكن في وجود السد وحده، وإنما في قواعد ملئه وتشغيله، وفي كيفية التعامل مع سنوات الجفاف، وفي الضمانات التي تمنع الإضرار بدولتي المصب.

وبمرور الوقت، لم يعد سد النهضة مجرد مشروع إثيوبي معزول، بل أصبح جزءا من شبكة أوسع من المصالح السياسية والاقتصادية والاستثمارية المرتبطة بإثيوبيا وقطاع الطاقة فيها، وهو ما جعل التعامل مع المشروع أكثر تعقيدا. لكن اتساع شبكة المصالح حول السد لا يعني أن الخلاف انتهى، ولا يعني أن مصر مطالبة بالتعامل معه باعتباره مشروعا إيجابيا بالضرورة. فالفوائد المحتملة للسد لا تلغي المخاطر المحتملة، كما أن وجود مصالح مشتركة لا يلغي الحاجة إلى قواعد ملزمة.

هنا تحديدا يكمن التحول في الخطاب المصري. ففي السنوات الأولى للأزمة، كان سد النهضة يقدم باعتباره تهديدا مباشرا للأمن القومي والمائي، بينما أصبح الخطاب اليوم أكثر ميلا إلى الحديث عن التعايش معه باعتباره واقعا قائما. وقد يكون هذا التحول مفهوما من الناحية السياسية، فالدول لا تدير الأزمات بالطريقة نفسها قبل وقوعها وبعد أن تصبح واقعا، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التكيف مع الواقع إلى إعادة تعريف له.

يمكن لمصر أن تتعامل مع سد النهضة باعتباره واقعا، وأن تبحث عن التعاون مع إثيوبيا، وأن تعترف بأي فوائد محتملة للمشروع، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقها في اتفاق واضح وملزم. لا يوجد تناقض بين الأمرين، لكن التناقض يبدأ عندما تتحول المخاوف من السد إلى حديث عن فوائده، ثم إلى وصفه بأنه «سد مصري»، بينما تظل الأسئلة الأساسية المتعلقة بالتشغيل والجفاف والتنسيق قائمة.

وربما يذكرنا ذلك بنمط أوسع في الخطاب السياسي والإعلامي المصري، حيث يجري أحيانا تقديم القضايا الخلافية باعتبارها انتصارات بمجرد تغيير طريقة وصفها. وعندما استخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي عبارة «مصر جابت جون» في سياق الحديث عن اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل، أثارت العبارة جدلا واسعا حول الطريقة التي تقدم بها القضايا المثيرة للجدل إلى الجمهور. واليوم، يعيد وصف سد النهضة بأنه «سد مصري» السؤال نفسه إلى الواجهة: هل تغير الواقع، أم تغيرت الرواية؟

فإذا كان السد يمثل خطرا محتملا على الأمن المائي، فإن وصفه بأنه «مصري» لا يغير موقعه الجغرافي، وإذا كانت مصر بحاجة إلى اتفاق ملزم بشأن تشغيله، فإن الحديث عن فوائده لا يلغي هذه الحاجة، وإذا كانت إثيوبيا هي التي تملك قرار تشغيله، فإن تغيير اسمه لا يمنح القاهرة سلطة إضافية عليه.

في النهاية، سد النهضة إثيوبي، وهذه حقيقة جغرافية وسياسية، لكن تأثيراته تتجاوز إثيوبيا وتمس مصر والسودان بصورة مباشرة. ولا يوجد تناقض بين الحقيقتين، كما لا يوجد تناقض في أن تتعامل مصر مع السد باعتباره واقعا قائما، وأن تبحث عن التعاون، وأن تعترف بالفوائد المحتملة، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقها في اتفاق واضح وملزم بشأن قواعد التشغيل.

المشكلة ليست في التكيف مع الواقع، وإنما في أن يتحول التكيف إلى تسليم، أو أن يصبح تغيير اللغة بديلا عن حل الأزمة. فالسد لا يصبح مصريا بمجرد وصفه بذلك، ولا تختفي المخاطر بمجرد التوقف عن الحديث عنها. والسؤال الذي سيظل قائما، مهما تغيرت اللغة، هو: من يملك قرار تشغيل سد النهضة، وما الضمانات التي تملكها مصر والسودان عندما تأتي سنوات الجفاف؟

حتى الآن، لم تتغير الإجابة عن هذه الأسئلة بما يكفي. الذي تغير، إلى حد كبير، هو الخطاب.

40 مشاهدة
مشاركة: